أحمد زكي صفوت

410

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

فلما يئس معاوية من الأشعث قال لعمرو بن العاص : إن رأس أهل العراق بعد علىّ هو عبد اللّه بن عباس ، فلو كتبت إليه كتابا لعلك ترقّقه ، ولعله لو قال شيئا لم يخرج علىّ منه ، وقد أكلتنا الحرب ولا أرانا نصل إلى العراق إلا بهلاك أهل الشأم ، فقال عمرو : إن ابن عباس لا يخدع ، ولو طمعت فيه لطمعت في علي . قال معاوية : على ذلك فاكتب ، فكتب عمرو إلى ابن عباس : « أما بعد : فإن الذي نحن وأنتم فيه ليس بأول أمر قاده البلاء ، وأنت رأس هذا الجمع بعد علىّ ، فانظر فيما بقي ودع ما مضى ، فو اللّه ما أبقت هذه الحرب لنا ولا لكم حياة ولا صبرا . واعلم أن الشأم لا تهلك إلا بهلاك العراق ، وأن العراق لا تهلك إلا بهلاك الشأم ، فما خيرنا بعد هلاك أعدادنا منكم ؟ وما خيركم بعد هلاك أعدادكم منا ؟ ولسنا نقول : ليت الحرب عادت ، ولكنا نقول : ليتها لم تكن ، وإن فينا من يكره اللّقاء كما أن فيكم من يكرهه ، وإنما هو : أمير مطاع ، ومأمور مطيع ، ومؤتمن مشاور وهو أنت ، فأما الأشتر « 1 » الغليظ الطبع القاسى القلب فليس بأهل أن يدعى في ثقات أهل الشّورى ، ولا في خواصّ أهل النّجوى » . وكتب في أسفل الكتاب : طال البلاء وما يرجى له آسى * بعد الإله سوى رفق ابن عبّاس « 2 » قولا له قول من يرجو مودّته * لا تنس حظّك ، إن الخاسر النّاسى انظر ( تفدّيك نفسي ) قبل قاصمة * للظهر ليس لها راق ولا آسى « 3 » إن العراق وأهل الشأم لن يجدوا * طعم الحياة مع المستغلق القاسى « 4 »

--> ( 1 ) هو مالك بن الحارث ، وكان من رؤوس جند على أيضا ، كان على الميمنة ، وابن عباس على الميسرة ، وعلى في القلب . ( 2 ) الآمى الطبيب ، أسا الجرح يأسوه : داواه . ( 3 ) قصمه كضرب : كسره والرقية بالضم : العوذة ( بالضم أيضا ) وقد رقاه يرقيه أي عوذه . ( 4 ) المستغلق : استغلقنى فلان في بيعه : إذا لم يجعل لي خيارا في رده .